عبد الله بن أحمد النسفي
205
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 100 إلى 101 ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 101 ) غَفُورٌ يستر عيب المخلّ رَحِيمٌ يقبل جهد المقلّ . 100 - وَالسَّابِقُونَ مبتدأ الْأَوَّلُونَ صفة لهم مِنَ الْمُهاجِرِينَ تبيين لهم ، وهم الذين صلّوا إلى القبلتين ، أو الذين شهدوا بدرا ، أو بيعة الرضوان وَالْأَنْصارِ عطف على المهاجرين ، أي ومن الأنصار ، وهم أهل بيعة العقبة الأولى ، وكانوا سبعة نفر ، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ من المهاجرين والأنصار ، فكانوا سائر الصحابة ، وقيل هم الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة ، والخبر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بأعمالهم الحسنة وَرَضُوا عَنْهُ بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية وَأَعَدَّ لَهُمْ عطف على رضي جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ من تحتها مكي خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . 101 - وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ يعني حول بلدتكم وهي المدينة مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانوا نازلين حولها وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عطف على خبر المبتدأ الذي هو ممن حولكم ، والمبتدأ منافقون ، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدّرت ومن أهل المدينة قوم مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي تمهّروا فيه ، على أنّ مردوا صفة موصوف محذوف ، وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ ، أو صفة لمنافقون فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره ، ودل على مهارتهم فيه بقوله لا تَعْلَمُهُمْ أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوّقهم « 1 » في تحامي ما يشكّك في أمرهم ، ثم قال : نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي لا يعلمهم إلّا اللّه ، ولا يطّلع على سرّهم غيره ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ هما القتل وعذاب القبر ، أو الفضيحة وعذاب القبر ، أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ أي عذاب النار .
--> ( 1 ) تنوّق : تجوّد ( القاموس 3 / 287 ) .